محمد بن وليد الطرطوشي

469

سراج الملوك

وبقوة القلب : يتحمل أثقال المكاره ، وبقوة القلب : يصبر على أخلاق الرجال ، وبقوة القلب : تنفّذ كل عزيمة ورويّة أوجبها الحزم والعدل . وبقوة القلب : يضحك الرجال في وجوه الرجال وقلوبهم مشحونة بالضغائن والأحقاد - كما قال أبو ذر : [ وإنّا لنكشّر في وجوه قوم ، وإنّ قلوبنا لتلعنهم ] . وقال على رضي الله عنه : [ إنّا لنصافح أكّفا نرى قطعها ] . وليس الصبر والشجاعة وقوة النفس ، إن تكون مصرا في المحال ، لجوجا « 1 » في الباطل ، ولا أن تكون جلدا عند الضرب ، صبورا على التعب ، مصمّما على التعزير والتهوّر ، فإن هذه صفة الحمير والخنازير . ولكن أن تكون صبورا على أداء الحقوق عليك ، صبورا على سماعها وإلقائها إليك ، غالبا لهواك ، مالكا لشهواتك ، ملتزما للفضائل بجهدك ، عاملا في ذلك على الحقيقة ، التي لا يحيلك « 2 » عنها حياة ولا موت ، حتى يكون عندك موتك على الخير الذي أشار به العلم وأوجبه العدل ، خيرا من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل . كما قال عليّ لولده الحسين « 3 » رضوان الله عليهما : يا بنىّ : وما يبالي أبوك لو أن الخلق خالفوه إذا كان على الحق ، وهل الخير كله للمحقّ إلا بعد الموت ؟ ومن هذا قالت حكماء الهند : إذا لم يكن للملك من نفسه معين ، كان في جميع أموره ضعيفا مخذولا . واعلم : أنّ الجبن مقتلة ، والحرص محرمة ، والعجز ذلّ ، والجبن ضعف ، والجبان يعين على نفسه ، يفرّ عن أبيه وأمه وصاحبته وبنيه . واعلم : أن كل كريهة ما بين الحلبتين ، والشّجاع يحمى عمّن لا يناسبه ، ويقي مال الجار والرفيق بمهجته ، والجبان يخاف ما لا يحسّ به ، والجبان حتفه من فرقه « 4 » . واعلم : أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) اللجوج : التمادي في العناد والخصومة عما نهى عنه . ( 2 ) لا يحيلك عنها : لا يمنعك عنها . ( 3 ) في ( ط ) قال علي بن الحسين . ( 4 ) أي موته بسبب خوفه .